الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
115
تفسير روح البيان
ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها اى يتوفاها حين نومها بان يقطع تعلقها عن الأبدان وتصرفها فيها ظاهرا لا باطنا فالنائم يتنفس ويتحرك ببقاء الروح الحيواني ولا يعقل ولا يميز بزوال الروح الإنساني ومثل النوم حال الانسلاخ عند الصوفية الا ان المنسلخ حال اليقظة أقوى حالا وشهودا من المنسلخ حال النوم وهو النائم وعبر عن الموت والنوم بالتوفى تشبيها للنائمين بالموتى لعدم تميزهم ولذا ورد النوم أخو الموت وعن علي رضى اللّه عنه ان الروح يخرج عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد فلذلك يرى الرؤيا فإذا انتبه عاد روحه إلى جسده بأسرع من لحظة - ويروى - ان أرواح المؤمنين تعرج عند النوم إلى السماء فمن كان منهم طاهرا اى على وضوء اذن له في السجود للّه تعالى تحت العرش ومن لم يكن منهم طاهرا لم يؤذن له فيه فلذلك يستحب ان ينام الرجل على الوضوء لتصدق رؤياه ويكون له مع اللّه معاملات ومخاطبات قال بعضهم خلق اللّه الأرواح على اللطافة والأجساد على الكثافة فلما أمرت بالتعلق بالأجساد انقبضت من الاحتجاب بها فجعل اللّه النوم والانسلاخ سببا لسيرها في عالم الملكوت حتى يتجدد لها المشاهدة وتزيد الرغبة في قرب المولى وانما يستريح العبد ويجد اللذة في النوم لأنه في يد اللّه وهو ارحم الراحمين ويضطرب ويجد الألم في الموت لأنه في يد ملك الموت وهو أشد الخلائق أجمعين فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ إمساك شئ تعلق به وحفظه والقضاء الحكم اى يمسك أنفس الأموات عنده ولا يردها إلى البدن وذلك الإمساك انما هو في عالم البرزخ الذي تكون الأرواح فيه بعد المفارقة من النشأة الدنيوية وهو غير البرزخ بين الأرواح المجردة والأجسام اى غير عالم المثال الذي كان النوم أو الانسلاخ سببا للدخول فيه لان مراتب تنزلات الوجود ومعارجه دورية والمرتبة التي قبل النشأة الدنيوية هي من مراتب التنزلات ولها الأولية والتي بعدها هي من مراتب المعارج ولها الآخرية وأيضا الصور التي تلحق الأرواح في البرزخ الأخير انما هي صور الأعمال ونتائج الأفعال السابقة في النشأة الدنيوية بخلاف صور البرزخ الأول فلا يكون شئ منهما عين الآخرة لكنهما يشتركان في كونهما عالما روحانيا وجوهرا نورانيا غير مادي مشتملا على مثال صور العالم وَيُرْسِلُ الْأُخْرى اى ويرسل أنفس الاحياء وهي النائمة إلى أبدانها عند اليقظة والنزول من عالم المثال المقيد ولعالم المثال شبه بالجوهر الجسماني في كونه محسوسا مقداريا وبالجوهر العقلي المجرد في كونه نورانيا فجعل اللّه عالم المثال وسطا شبيها بكل من الطرفين حتى يتجسد أولا ثم يتكاثف ألا ترى ان حقيقة العلم الذي هو مجرد يتجسد بالصورة التي في عالم المثال إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو الوقت المضروب لموتها وهو غاية لجنس الإرسال اى لا لشخصه حتى يرد لزوم ان لا يقع نوم بعد اليقظة الأولى وعن سعيد بن جبير ان أرواح الاحياء وأرواح الأموات تلتقى في المنام فيتعارف منها ما شاء اللّه ان يتعارف فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها وفي الأسئلة المقحمة يقبض الروح حال النوم ثم يمسك الروح التي قضى الموت على صاحبها ووافق نومه اجله انتهى . فيكون قوله فيمسك متفرعا على قوله والتي